القرآن وتاريخ العربية: بين التمثيل والتفرّد الصرفي
محتوى المقالة الرئيسي
الملخص
تتناول هذه الدراسة تحليل عيّنة مختارة من الأسماء المفردة في القرآن الكريم، التي وردت لها صيغ جمع متعددة، بهدف إعادة النظر في وظيفتها اللغوية ضمن إطار تاريخي ولساني أوسع. وتُظهر نتائج التحليل أن هذه الصيغ الجمعيّة لا تمثّل تنويعات لهجية بالمعنى التقليدي، بل تعبّر عن فروق دلالية دقيقة داخل الحقل المعجمي العام للكلمة الواحدة. كما يكشف التحليل المقارن مع مدوّنات الشعر الجاهلي أن كثيراً من هذه الفروق الدلالية لا يظهر في الاستعمالات السابقة، مما يشير إلى مستوى خاص من التشكيل الدلالي في الخطاب القرآني.
وانطلاقاً من هذه النتائج، تقترح الدراسة قراءة محلانية (Vernacularist) للغة القرآن بوصفها ( لساناً عربياً مبيناً)، لا باعتبارها نمطاً معيارياً واحداً، بل بوصفها لساناً عاماً (Lisān) يضمّ ويستوعب لغات العرب (اللغات المحلية/اللهجات) المختلفة ضمن نظام تعبيري موحّد. وبهذا المعنى، يمثّل القرآن إطاراً لسانياً جامعاً يوحّد التنوّع اللهجي (اللغوي) في بنية خطابية واحدة (المنجد، 1972). كما تؤكّد المصادر التراثية هذا التصوّر، إذ تشير إلى أن اللغة القرآنية تعكس تعددية لغوية واسعة، قُدّرت في بعض الدراسات التراثية بنحو خمسين لغة من لغات العرب (السيوطي، 1996).
وفي ضوء هذا التصوّر، يُعاد تفسير ما يُعرف بالعربية الفصحى أو العربية المعيارية الحديثة بوصفها لغة (أي لهجة) واحدة من بين لغات عربية متعددة، اكتسبت هيمنتها التاريخية نتيجة تقعيدها وارتباطها بالكتابة والمؤسسة النحوية، لا لكونها تمثّل اللسان العربي في كليّته (الحجاج، 2024). ومن ثمّ، لا ينبغي التعامل مع القرآن بوصفه انعكاساً مباشراً للهجة (لغة عربية) بعينها، ولا مصدراً خطياً بسيطاً لتتبّع تطوّر العربية في العصور المتأخرة من القدم؛ بل ينبغي فهمه بوصفه نظاماً لسانياً فوق-لهجي (supra-vernacular)، يعيد تشكيل العناصر اللهجية ضمن بنية بلاغية ودلالية مخصوصة.
وتخلص الدراسة إلى أن التفرّد الصرفي والدلالي في صيغ الجموع القرآنية ـ وما يرتبط بها من ظواهر لغوية أخرى ـ يحدّ من إمكان اعتماد القرآن مصدراً وحيداً لإعادة بناء تاريخ العربية في أواخر العصور القديمة، ويستدعي مقاربة تكاملية تراعي تعددية لغات العرب ضمن إطار اللسان العربي بوصفه كياناً جامعاً.
تفاصيل المقالة
إصدار
القسم

هذا العمل مرخص بموجب Creative Commons Attribution 4.0 International License.